تايتل نيوز - بغداد
لم تكن زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي لمقر وزارة المالية مجرد جولة بروتوكولية لمتابعة الرواتب بل كشفت عن ملامح فلسفته المستمدة من خلفيته في عالم المال والأعمال عبارته الحاسمة: نرغب بأن يكون الاقتصاد هو من يدير الدولة وليس العكس" تمثل تحولا جوهريا يعكس رغبته في كسر النمط الاستهلاكي للموازنات والتحرك بعقلية "الشركات الكبرى" لتعظيم الناتج المحلي بدلا من دور الدولة التقليدي كـ "أمين صندوق" يوزع عوائد النفط.
عكس توجيهه بالالتزام بمواعيد الرواتب ومستحقات الحماية الاجتماعية فهما لمعادلة "القوة الشرائية" وضمان استقرار الأسواق. ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك بل شمل ضخ السيولة في القطاع الخاص عبر الإيعاز بتصفية ديون المقاولين والفلاحين والمستثمرين وهي خطوة تمويلية ذكية لإعادة تدوير رأس المال المحتجز وتحريك المشاريع المتوقفة لتخفيف الضغط عن التعيينات الحكومية.
الملف الأبرز تمثل في مواجهة "المنطقة الرمادية" للإيرادات غير النفطية حيث شخص الزيدي بدقة عمليات "التلاعب الذكي" في الكمارك والمنافذ عبر استبدال السلع عالية الرسوم بأخرى منخفضة في التصاريح الورقية. ويهدف طلبه لكشف مالي دقيق للأشهر الستة الماضية إلى التمهيد لأتمتة شاملة بنظام "الأسيكودا" وهي المعركة التي يراها المراقبون الاختبار الحقيقي للحكومة لكونها تصطدم بشبكات مصالح متجذرة.
ختاماً، يمثل ربط الخطط المالية برؤية "العراق 2035" محاولة لنقل الوزارة من التخطيط السنوي الضيق إلى الأفق الإستراتيجي ورغم قوة هذا الخطاب فإن التحدي الأكبر يكمن في "مقاومة المنظومة الإدارية" فنقل الدولة من دور "المهيمن" إلى "المنظم" يتطلب تناغما مطلقا بين السياسة المالية والسياسة النقدية للبنك المركزي للسيطرة على السوق الموازية. حجم الأرقام التي ستحققها أتمتة الكمارك قريبا سيكون المقياس الحقيقي لمدى نجاح هذه العقلية المصرفية.